عيسى ماروك    
مكابرة
قصة قصيرة للكاتبة آسيا بودخانة _ سكيكدة

استدرجت نبضه روحها المرحة التّي كانت تطوف أمامه باهتمام كلّ الحضور، لم تستطع إخفاء تجاعيد الوجع التّي كانت تنام خلف ابتسامتها المرسومة باعتناء على شفتيها ،رأى فيها ذاته المكبوتة، اكتشف داخل  مدن الحزن المتلألئة في عيونها أناه التّي ضيعها ذات فاجعة، كانت رياح التمرد على واقعها عاصفة هزّت بداخله أحاسيس نامت طويلا على فراش التيه، كان كمن  يجلس في حضرة أنثى لأوّل مرّة، وهو من مارس الأنوثة حسب معايير تملصه من واقعه ،كأنّ قلبه ينبض بنمط مختلف حين التقت نظراتهما،التفّ هذيان اللّهفة حول أحاسيسه ، رجفت رجولته لها، شعرها طفولة تنسل من ضعفه، يرغب لو يلقي بكلّه لها، يترجاها أن تتسلّم ترميم روحه العالقة بجسده الممتهن لشبق اللّحظة ..

   تحنو على صديقه، تلاعبه، تضاحكه، ترسم على حضوره تميّزا بعفويتها، بكل ما منحه لها الخالق من حواء، يشعر بالغيرة من احتوائها له، كان يودّ لو يصرخ ويطالبه بها، كان جليّا له أنّ ما بينهما ليس حبّ، بل تمويها يرضي بداخلها غرور امرأة من نار، لا تنحني أمام نسيم الأنوثة المفضي دوما إلى جوع الدّيمومة المهاجرة، كانت نظراته تفضحه وهو يثبّتها في كلّ حركة تقوم بها، زادت في جرعات قربها من صديقه حين وصلتها شرارة انجذابه لها، هروبا من مراسيم افتتاح ما تعتقد دوما في بداياته الخيبة، زاد حدسه تأكيدا أنّها مثله شريدة تبحث عن ملاذ..

كانت تقابله جلوسا،تسترق من نظراته نبضا يغزوها، شعرت بتدفّق رجولته المنكبّة على التمعّن فيها بداخلها، انتابها ذاك الشّعور الذّي كانت تكتبه حروفا فيتجسّد غازيا لأنوثتها  ، فقدت توازنها، تململ تمثيلها دور المرأة المليئة بالفرح، فضحتها لحظات كانت ترتب فيها تلك الغزوات المتسربة لجسدها كلّما اختلت بنظراته، تسأل نفسها وهي تشعر بذوبانها الدّاخلي يتسارع: "ما كلّ هذا الدّوار في زوايا أنوثتي، ما كلّ هذا الاحتراق أمام رجل لا أدري منه سوى جلوسه في الزّاوية المقابلة من مجلس عامر بالرّجال، لمَ يجتاحني احتراقا؟، لمَ أشعرني أفقد لجام المكابرة عن شيطان الشّهوة الذّي يوسوس لي استسلاما لدعوته الملغمة بالارتياب؟! "..

تجمع شتات روحها حين تصلها وشوشات –صديقه- عن سعادته بحضورها، وتندمج في ذاك الحديث الذّي كان فارغا ممّا يحدث بعمقها من اختراق، تمضي في مكابرتها تمويها مع الذّي بدا أنّ لعبة الحب راقته، وأنّه مثلها يبحث عن جرعات نسيان  لجراحه..

لثلاثتهم كان جرح يراقص  ذاته الحقيقيّة  تمسرحا يرسم لحضوره تمثال سواء، ولكنّ شرود روحيهما تزاوج عند أوّل منعرج اصطدام في ممرّ اللّاشعور..

غادرت مجلسا تركت فيه بقايا وقوعها في شرك ضعفها، امتطت المصعد فاجأتها مرآته بالابتسام المريب، تشيّع انكسار ترفّعها، وصلت إلى غرفتها،كمن حقنت بأدرينالين الاشتهاء، سلّمت نفسها للمرشّ الذّي شعرت ماءه يأتيها بهمسات اشتهائه لها، سلّمته جسدها الذّي لم تسلّمه يوما سوى لرجال كانت تستنسخهم من شخوص كتاباتها، تقع في غرامهم ،وتضاجعهم بكل ما أوتيت من أنوثة على سرير الحلم..

    هاهي الآن تضاجع طيف آدمي بكل تفاصيل اغتياله لتوازنها، هاهو يداعب جسدها من خلال انتحاله للماء المنساب على كلّها، تشتعل له مصابيح شهوتها، تتلوّى هياما في حضن رجولته، تمنحه تشبّعا للاحتياج الذّي امتصّته من بريق عينيه الّتي رأت فيه طفولته المبتورة غدرا..

   تنقضي غزوة شبقها، تستوقفها ملامح شخصيتها، تفرض عليها تعقّلا،تشعر صراع داخلها، تقمع ارتجاج قلبها، تحكم إغلاق بابه، وتنام..

  لم تكن تدري أنّ مفتاح التعقّل ترك باب قلبها مواربا إلاّ حين جمعتهما  طاولة امتهنا فيها الانضباط اتّجاه صديقهما، كلاهما كان لديه رغبات خلف تنصيبه على عرش مشاعرهما،استطاعا احتواء انجرافهما صوب استحضار جراح  نصّبها الزّمن الغادر بدكتاتورية على سعادتهما، ظنّا أنّهما قتلا فيروس الرغبة الذّي تملّكهما منذ الوهلة الأولى للقائهما، أمضيا سويا باقي أوقاتهما المحفوفة بأوان الرحيل ،بتمثيلهما لفصول مسرحية الكتمان المغلف بالتّمـويه..

  أعلن الرّحيل مراسيمه، أصيب بلّور مشاعرهما برعب الفقد، رسم على ملامحهما خرائط ملوّنة بالحيرة، دمعهما على أهبة الاستعداد ليوقع بهما في حضن رغبتهما الحقيقيّة، كانا جريئين كفاية على المكابرة ،غادرا بعضهما، بنفس حرقة اللّقاء، رفرف سرّهما في سماء الصّمت، واختلى كلّ منهما بمضاجعة مسكّنات الأفضلية، التي تعاطاها احتراما لصديقهما، الذّي في الأصل كان يعي ما يحدث وراء ستار حضورهما، ومثلهما كان كسيرا يجتاحه رعب الفقد في حال اتحادهما...

عدد القراء :394
2016-05-07 21:37:54 : تاريخ المقال

عدد الزوار

  • تعليق المشتركين
  • تعليق الفسبوك

ستبقى التعليقات معطلة الى أن يتم الموافقة عليها من طرف هيئة التحرير.

 

تعليقك:

 

إتصل بنا

هيئة التحرير

Address: 88 rue Didouche Mourad 16006, Alger
عيسى ماروك
Tel / Fax: +213 21 71 30 42
عزوز عقيل
E-mail:ueaalg2015@gmail.com
جمال الدين بن خليفة
Facebook: /uealg2014
الأخضر سعداوي
 
بلقاسم مسروق