مسؤول الإعلام    
تجليات المعجم الشعري في ديوان "اليوسفيات" للشاعر يوسف شقرة
بقلم الناقد والشاعر المصري إبراهيم موسى النحَّاس

          الشاعر في رحلته مع الكتابة طالت أم قصرت تنصهر تجربته مع واقعه الذي يعيشه و تتماس معه ليصبح الشاعر و التجربة الشعرية معًا أيقونات لهذا الواقع و جزءًا منه, لهذا مهما جنحت التجربة الشعرية بوجه عام نحو الذاتية فإنَّها تحمل باالضرورة أبعادًا واقعية واجتماعية باعتبار أن الذات الشاعرة جزء من واقعٍ ما وبيئة اجتماعية تتبادل معها التأثير والتأثر, ولهذا قال البعض"إنَّ القصيدة ليست مجرد حقيقة أدبية, ولكنَّها حقيقة اجتماعية أيضًا, أي أنَّ القصيدة تُنتج في سياق يتضمن حياة المؤلف والمتلقي الذي يكتب (أو تُكتب ) له, وعلاقات مختلف العوامل الاجتماعية والتاريخية والسياسية التي تمثل الخلفية..ومن ثمَّ تقع القصيدة في شبكة الظروف حين ينتجها الشاعر وحين يتلقاها القارئ"(1).

      و الشاعر يوسف شقرة في ديوانه الجديد( اليوسفيات) يجعل من قلمه مرآة أمينة أو كاميرا دقيقة الرصد لهذا الواقع -  سياسيَّا واجتماعيًّا- بتعارضاته المتناقضه, و يخرج في تناوله من القضايا المحلية الضيقة إلى آفاق أكثر رحابة, فيُعبِّر عن قضايا أمَّته العربية والإسلامية على مدار تاريخها, و قد تجلّى هذا في قصيدة" انتقام القصيدة" حيث يقول

((و حائط المبكى دليل..

على الجبين...يهدأ الجبين

يُذَكّرني بكربلاء و " رأس الحسين "

و هرب الأحلاف

و نزق الأحزاب

و عاصفة الصحراء

و ثورة المغول

لاجتثاث السلالة

يُذَكّرني بموتة الرَجُل الأخير

على الهواء مباشرة..

و عَبْرَ الأثير

و إخوان الصفاء..

على دمه يرقصون))(2).

     لذا تتجلّى في الديوان  صورة الشاعر الحكيم المُجرِّب الذي يعرف الواقع و يفهمه و يقوم بتوجيه وعي الجماهير ليحمل الديوان بُعْدًا تنويريًّا يرتبط بالوظيفة الاجتماعية و الأخلاقية للأدب أو حتى التعليمية بالمعنى التنويري عمومًا عند إليوت والتي يُطلق عليها"

Didactic poetry

  وهي عنده نقل المعلومات, فكلمة

Didactic

 يمكن ان تعني: نقل للمعلومات, أو يمكن أ ن تعني: مزودًا بالتعاليم الأخلاقية أو يمكن أن تعني شيئاً يشمل كلا المعنيين"(3).

       و من هذا الوعي بقضايا الواقع و آلامه على مَرِّ التاريخ بالنسبة للأمة العربية والإسلامية تشعر الذات الشاعرة بالوحدة و التشيؤ و الاغتراب إلى حدِّ الشعور بأنَّ أقرب الناس من الأهل و الأصدقاء – مثل يوسف – قد يضيِّعوه فيقول في" هذيان القصيدة":

(( و أنا في عالمي المجنون وحدي

ألوك البيان و أهذي

هل يا أبتي...

مَن يسعد يوسف بعدي؟

يفرش القصائد

خطاف الحمام

أو فراش الكلام

أو نجومًا تحكي

كُحْل الليالي اللواتي

شربن من دَمِي))(4).

   مثل هذا الشعور بالاغتراب أصيل في أدبنا العربي اختلفت صوره بين الاغتراب النفسي والزماني والمكاني لكنه في نفس الوقت ارتبط ارتباطا وثيقًا بحركة الحداثة والتجريب في شعرنا الحديث "فالاغتراب – إذن- بكل حوافزه ودوافعه السلبية والإيجابية ظاهرة عامة في حركة الحداثة في الأدب العربي المعاصر, وما الاختلاف إلّا في الدرجة وفي مدى تلاحم هذا الاغتراب بمحاولات التحديث والتجريب, وانعكاس كل ذلك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في حركة أدبنا الحديث"(5).

    و حين تعجز الذات الشاعرة عن تحقيق بعض طموحاتها لنفسها و واقعها يزداد الشعور بالاغتراب و تشظي الذات, فيقول في قصيدة" براديس معذرة":

(( كم كنتُ...

و لمْ أكن....و لمْ أكن

ضيَّعني حلمي

فتبخَّرَ مِنِّي العمر

و تاه رأسي من رأسه

فضيَّعْتُ بوصلتي...و الكفن))(6).

     مثل هذا الشعور ينسحب إلى كلِّ علاقات الذات الشاعرة بمَن حولها حتى في العلاقة مع المرأة داخل الديوان, فنجد شعور الذات الشاعرة معها بالألم و الوحدة و الاغتراب و الحزن, فيقول في قصيدة" تهويمات المُستكفِي":

((هذا قلبي..

قميصٌ قُدَّ من ألق

إذْ صاحَبَ غيمةٌ كاذبة

لا تحمل غير أحزان و رماد

و هُراء...و هُراء

فخُذِيه جمرًا

أو دَمًا...

أو ألمًا))(7).

          و يبقى الملجأ للذات الشاعرة لتواجه كل هذا الألم, و قد تمثّل هذا الملجأ في قيمة الحُب, الحُب للقيم المثالية و الحب للوطن العربي و الحب للجزائر و لمدينة" عنابة" الجميلة مسقط رأس الشاعر حيث العشق للبحر و شاطئه حيث يفتتح الديوان بتلك القصيدة التي يقول في أحد مقاطعها:

(( قال:

هو البحر صلاة الأنبياء

هو البحر زهرة الروح

الأولى

و الأخيرة

هو البحر ماء الكلام

روح الختام

ثم اختفى فينا... و كالماء ذاب

و كالماء غاب))(8).  

       و كدليل و رمزٍ ضِمنيّ على عشق الشاعر للمكان و انتمائه إليه نجد المعجم الشعريّ مأخوذًا من البيئة المحيطة بالشاعر, والمكان هنا ليس هو المفهوم السطحي للمكان باعتبارٍ حِسِّي جغرافي فقط , بل هو المكان بمعناه الإبداعي" فالمكان بالمعنى الإبداعي ليس حيِّزًا يتم تعميره بالمحاصرة الإدراكية والبصرية المباشرة بل إنَّه لا مكان أيضًا...إنَّه توقٌ وحلم واستبسار لما سيأتي من جديد غير مرئي...إنَّها مناجزة إبداعية للمجهول الغائب مكانيًّا, فهو طوبى وجزيرة أحلام"(9). فإذا عرفنا أنَّ مسقط رأس الشاعر هو مدينة ( عنَّابة) الجميلة بالشرق الجزائري, وهي مدينة ساحلية تطل على شاطئ البحر الأبيض المتوسط, عرفنا سِرَّ انتشار ألفاظ البحر و مفرداته في معظم قصائد الديوان, لنجد منذ أولى قصائده ((ماء الكلام..روح الختام)) ألفاظًا مثل: ( سيدة البحر- الزبَد- الرمل- الموج- زرقته- أمطرت- مجراي- الماء- الطاهر- الطيور- نتوضَّأ- ملح- ...وهكذا), مثل هذه الكلمات لم تأتِ اعتباطا, بل ارتبطت بالحالة النفسية للشاعر من عشق للمكان بكل مفرداته, وهُنا "ينبغي علينا لكي نحدد معنى لصيغة الكلمة التي تتكون منها الجملة أن نكون قادرين على تحديد هذه الصيغ لا باعتبارها حالات لأنماط معينة فحسب, بل باعتبارها صيغًا لتعابير معينة"(10) تلك التعابير هي معاني الحب والانتماء لمدينته, و لنقرأ معًا هذا المقطع في تلك القصيدة السابق ذكرها,حيث يقول:

(( قالت سيدة البحر:

كانت ترتشف قهوتها المسائية

تلوِّح للذي أدمى سعف النخيل البريء

يا أيُّها القادمُ من وهج الرملِ

إلى غسق الدجى و الأنين

و بالأصابع النديَّة تخطُّ على الزبَدِ

زهرة الروحِ...الأخيرة

خطوط  الرحلةِ طُولًا و عرْضًا

حكايات الياسمين))(11).

       ومع تفاعل الشاعر مع المكان والبحر بمفرداته يأتي تفاعل الشاعر مع الأشياء المحيطة به في رسم وتشكيل صورته الشعرية لإحساسه بالحميمية مع تلك الأشياء البسيطة التي تُشكِّل عالمًا, وكأنَّه يُفكك العالم إلى أشيائه\ تفاصيله الصغيرة, فنجد هذا التفاعل مع الشُرفة وستائرها وغبارها في قصيدة "لعنة الحلم" , حيث يقول:

((تمرُّ السنون

تجيءُ السنون

وذي شرفتي لمْ تزَلْ

مثلما كنتُ وكانت....

على شفا....

ستائرها البيض...

لمْ يتغيِّرْ مُحيَّاها الخجولُ

والغبار العاشق لأطرافها المُمتدَّة...

لمْ يزل قابعًا ينتظر))(12).

   جانب آخر يرتبط بالصورة الشعرية في ديوان "اليوسفيات" وهو قيام الصورة الشعرية على الرمز الذي يعكس ثقافة الشاعر وقدرته على إسقاط الماضي والتاريخ على قضايا الواقع الحاضر بكل ما يحمله هذا الواقع من سلبيات, كما في تلك الصورة ,حين يقول:

((قطتي التي أنجبتْ اثنين

هي الأخرى تحب المتنبي

وتجادل أحيانًا آراء أبي تمَّام

ترفض الانصياع لغباء اللغة

هي لمْ تلتقِ كلاب المدينة

في عُرْسِهم الجديدِ

لأنَّ مناخ البحر هذه الأيام.....

يُحدث الغثاء

ويزيد من دوران العقارب

ويعطي هامشًا للمناورة))(13).

      هذا الاستدعاء للشخصيات التاريخية كالمتنبي وأبي تمام – وآخرين في قصائد أخرى كثيرة كشخصية سيدنا يوسف- يأخذنا إلى أهمية التناص وتوظيفه في القصيدة الحديثة تلك الأهمية التي جعلت البعض يرى" أنَّ النص يتكون من نصوص أخرى مأخوذة من الثقافة المحيطة أو قادمة من آفاق وأزمنة أخرى...ومهما كان طابعه التجديدي فإنَّه يعيد إنتاج نصوص سابقة عليه أو متزامنة معه, وهو ما يبعده عن الغرابة والغموض ويدمجه ضمن دائرة أدبية أو أيديولوجية"(14). وبغض النظر عن مدى الاتفاق أو الاختلاف مع هذا الكلام, لكنه يعكس في النهاية أهمية التناص وتوظيف الرموز السابقة داخل القصيدة الحديثة.

     جانب آخر من جوانب التشكيل البصري داخل الديوان تمثّل في توظيف فضاء الصفحة والفراغ الطباعي فيربط بين هذا التشكيل البصري والدلالة القائمة على جور وظلم السنين فيقول في قصيدة "المرآة":

((وجفني المشتعل

ينام في رعشة المتعَبين

أحَكّم المرآة في سائلتي...

      وسؤالي

              وسُهْدي

                      وطيشي

                          وصبري

                             وقُرْبي

                                    وبُعْدِي

                                          وجور السنين))(15).

     مَن يقرأ المقطع السابق يجد الأسماء المعطوفة كلها تمت كتابتها بشكل فردي مع حرف العطف الخاص بها في سطر مستقل مع المسافات الفارغة في فضاء الصفحة بين كل كلمة وأخرى وكأنَّ معاناة الذات الشاعرة تتفرَّع إلى أكثر من مُعاناة مع التركيز- بسبب الشكل الكتابي على كل معاناة على حِدَة مع ربطها بحرف العطف على ما بعدها لينتهي التشكيل البصري بالتركيز على المعاناة الكبرى الخاتمة وهي "جور السنين" على الذات الشاعرة دون تحديد لنوع هذا الجور كي يحمل صورة من صور التعميم.

      وإذا كان د. عثمان بدري في تقديمه النقدي للديوان أشار إلى بلاغة الاستعاضة عن اغتراب الهوية, نلمس جانبًا آخر من جوانب تلك الاستعاضة, هذا الجانب ظهر في استعاضة الذات الشاعرة بنفسها عمَّن حَوْلها, لتصبح الذات نفسها ملاذًا يُعوِّض عن خيبة الأمل في الأصدقاء, تلك الخيبة التي أشار إليها في قصيدة" ماء الكلام...روح الختام  " حين يطلب أن يتم تطهيره من حُب الأصدقاء, كما تجلّتْ تلك الاستعاضة في توظيف المونولوج أو الحوار الأحادي الداخلي, حيث تخاطب الذات الشاعرة نفسها وتتحاور معها لتعكس وجع تلك الذات, كما في قصيدة "الجواب" حين يقول:

((أنتِ

يا أيُّها الربان المعصوب العينين

اِرحمْ سفينة العمر

من التيه والذوبان

قد شاخ العمر

ولمْ يبقَ وقتٌ للغثيان

لذا قرَّرتُ أن أحتفظ بإصبعي

لن أقطعه كما فعلت

وبعته بأبخس الأثمان............... يتبع

عدد القراء :161
2019-07-04 22:41:50 : تاريخ المقال

عدد الزوار

  • تعليق المشتركين
  • تعليق الفسبوك

ستبقى التعليقات معطلة الى أن يتم الموافقة عليها من طرف هيئة التحرير.

 

تعليقك:

 

إتصل بنا

هيئة التحرير

Address: 88 rue Didouche Mourad 16006, Alger
عيسى ماروك
Tel / Fax: +213 21 71 30 42
عزوز عقيل
E-mail:ueaalg2015@gmail.com
جمال الدين بن خليفة
Facebook: /uealg2014
الأخضر سعداوي
 
بلقاسم مسروق