جمال الدين بن خليفة    
الرجل الذي أكل الموز بقلم محمد الكامل بن زيد. بسكرة .الجزائر
قصة قصيرة

قصة قصيرة : الرجل الذي أكل الموز

بقلم محمد الكامل بن زيد. بسكرة .الجزائر

أتى عابرا للطريق ..

انقضى زمني عصي وهو يدك خطوات سيره دكا..تثاقلت عليه عقارب الساعات حتى سئم من هلوستها..

استبد به الجوع على حين غفلة ..أشعره بآلام حادة كأنها شفرتا مقص صدأ أغضبت أساريره فانكمشت بشكل رهيب ..

صدقا لم يحط بماهية ما يحدث معه اللحظة ..فكره ، قلبه ، وجسده لا يقر إلا بشيء واحد ..اشتهاء أكل الموز..

- لماذا الموز؟

كاد أن يجن وهو ينبش في متاهاته عن سبب وجيه ولم يستسغ حالة الارتباك والريبة ..حتى أنه أوشك أن يستسلم لسؤال أخرق داهمه :

- أنت لست بامرأة حامل ..عذّبها الوحم؟!

ضحك طويلا بصوت واهن حتى لا يعده المارون حوله من الغابرين ..

نظر من هنا ..نظر من هناك ..

على جنبات الطريق دكاكين كثيرة ومتنوعة غير أنها لا تبيع الفاكهه ..تذّمر طويلا قبل أن يترآى له دكان صغير محشو بين عمارتين عملاقتين ..كتب فوق لافتته الخضراء المزركشة بحواشي صفراء ذهبية ..

- هنا نبيع الموز

هرع بسرعة فاقت سرعة المركبات .. لم يثنه سيل الشتائم السافلة والكلمات الخليعة المنهمر من أصحابها ولم يعرها أذنا ..

صاحب الدكان بعد أن نفخ في زجاج نظاراته السميكة ثم مسحها بمنديل أصفر يميل إلى السواد كسواد الكهوف .. اعتذر مبتسما :

- آخر موزة أخذها أحدكم قبل دقائق

حرك رأسه في تنمر ثم حك بأصابعه الطويلة ذقنه الأمرد.. خمّن أن يجتثه من خلف طاولته بلا هوادة ..يلعنه بأعتى الألفاظ و أشرسها ..أن يعيّره بحجم دكانه بين العمالقة وهذا أخف ما لديه غير أنه تريث زمنا راجع نفسه فيه ثم كظم غيضه بعد أن تأمل جحوظ عيني الرجل وارتعاش يديه المعدمتين من الذعر ..

- ما ذنب الدكان وما ذنب صاحبه ..؟

ازداد تذمرا وسخطا ثم تساءل في تأفف مفزع :

- ماذا يحدث لي ..هل اشتهاء الموز سيجعلني وحشا؟

خرج يدك الأشياء الملقاة على الرصيف دكا ويضرب بعضها الآخر إلى أبعد نقطة من هذا الطريق .. ثم توقف كأن مسا كهربائيا أوقفه عن الحركة ..

- هنا معرض للفن المعاصر

شد انتباهه إعلان ضخم يغطي بناية فاخرة ذات واجهات مبهرة ..سرعانما غمرته سعادة لا توصف فرفع يديه شاكرا لله ..

- وهنا موزتي ..

كانت نظرة واحدة كافية ..نظرة ثاقبة كنظرة النسر وهو يحلق في العلياء ..قدر له أن يصطاد موزة صغيرة ملصقة على أحد حيطان المعرض ..لونها فاقع يسر الناظرين ..لم يطل به التفكير كثيرا إذ أسرع إليها لاهثا دون حسيب ..تجاوز الجميع كأنه ريشة في مهب ريح عاتية..لم يلتفت لا يمينا ولا شمالا ..أخذها دون أن يلقى سلاما على أحد ثم أزال قشرتها و أكلها بنهم وسط ذهول المتفرجين ..

- أمعقول ..هدأ الوحش ؟!

جرى أحد الحراس إليه مشدوها ونهره بشدة :

- يا غبي ماذا فعلت ؟..لقد أكلت للتو أغلى موزة في العالم !!

- إنها لذيذة ..

- يا معتوه ألم تسمعني؟ ..إنها بيعت بــ 120 ألف دولار !!

لم يكد ينهي لقمته الثانية حتى ذهل بالكم الهائل من كاميرات التصوير وهي تحاصره من كل جانب ..فأدرك فداحة تصرفه الطائش:

- صدق الحارس ..الموزة كانت تمثل لوحة فنية

ثم سمع أصواتا هائجة غاضبة ..لاعنة ..تتعالى من هنا..ومن هناك :

- صاحبها يقول أنها تمثل الإمبريالية

- العولمة

- لوحة فنية من عالم آخر

وأمام نظراتهم الكاسرة الشزرة أخذ يتوارى ببطء شديد خلف ابتسامة بلهاء:

- جعت فأكلت ليس إلا ..

ثم أطال النظر إلى الاسفل ظنه الجميع أنه سيعتذر لكنه لم يفعل بل أصر أن يكمل ما تبقى من الموزة ..ثم بضحكة خبيثة :

- ما أحلى العولمة ..ما أحلى الإمبريالية

وقبل أن يقتاده الحارس إلى مركز الشرطة تحدث إلى أحد المراسلين في زهو :

- لم يكن فعلي فعلا تخريبيا بل أداء فنيا من قبلي ولست آسفا ..وهذه اللوحة كانت لذيذة فعلا ..

ثم شوهد أحد المراسلين خارج المعرض وهو يتعقب سيارة الشرطة بطريقة هيتشكوكية تعصف بجوارح المارة ..يصرح صارخا :

- لقد تم القبض على الرجل الذي أكل الموز ..و قد علمنا أن هيئة المعرض وضعت مكان الموزة المهدورة موزة أخرى..وسط حراسة شديدة من الدرجة القصوى ..وهذا منطقي ..فالجميع بات يعرف بلا شك ..أنها أغنى موزة في العالم ..



عدد القراء :190
2019-12-24 20:22:55 : تاريخ المقال

عدد الزوار

  • تعليق المشتركين
  • تعليق الفسبوك

ستبقى التعليقات معطلة الى أن يتم الموافقة عليها من طرف هيئة التحرير.

 

تعليقك:

 

إتصل بنا

هيئة التحرير

Address: 88 rue Didouche Mourad 16006, Alger
عيسى ماروك
Tel / Fax: +213 21 71 30 42
عزوز عقيل
E-mail:ueaalg2015@gmail.com
جمال الدين بن خليفة
Facebook: /uealg2014
الأخضر سعداوي
 
بلقاسم مسروق